عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

112

اللباب في علوم الكتاب

فالجواب من وجهين : الأول : أنه - تعالى - لو ذكره بلفظ الأمر ، لكان ذلك يوهم أنّه لا يحصل المقصود ، إلّا إذا شرعت فيها بالقصد والاختيار ، وعلى هذا التّقدير : فلو مات الزّوج ، ولم تعلم المرأة حتى انقضت العدّة ، وجب ألّا يكون ذلك كافيا في المقصود ؛ لأنّها إذا أمرت بذلك لم تخرج عن العهدة إلا إذا قصدت أداء التّكليف ، فلما ذكره بلفظ الخبر ، زال ذلك الوهم ، وعرف أنّه متى انقضت هذه القروء ، حصل المقصود سواء علمت بذلك أو لم تعلم ، وسواء شرعت في العدّة بالرّضا أو بالغضب . الثاني : قال الزّمخشري : التّعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر ، والإشعار بأنّه ممّا يجب أن يتعلّق بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنّهنّ امتثلن الأمر بالتّربّص ، فهو يخبر عنه موجودا ؛ ونظيره قولهم في الدّعاء رحمك اللّه ؛ أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة ، كأنّها وجدت الرّحمة فهو يخبر عنها . فإن قيل : لو قال : « يتربّص المطلّقات » لكان ذلك جملة من فعل وفاعل ، فما الحكمة من ترك ذلك ، وعدوله عن الجملة الفعليّة إلى الجملة الاسميّة ، وجعل المطلّقات مبتدأ ، ثم قوله : « يتربّصن » إسناد للفعل إلى ضمير المطلّقات ، ثم جعل هذه الجملة خبرا عن ذلك المبتدأ . قال الشّيخ عبد القاهر الجرجانيّ في كتاب « دلائل الإعجاز » : إنّك إذا قدّمت الاسم ، فقلت : زيد فعل ، فهذا يفيد من التّأكيد والقوّة ما لا يفيد قولك : « فعل زيد » ؛ وذلك لأنّ قولك : « زيد فعل » قد يستعمل في أمرين : أحدهما : أن يكون لتخصيص ذلك الفعل بذلك الفاعل ؛ كقولك : أنا أكتب في المهمّ الفلانيّ إلى السّلطان ، والمراد دعوى الإنسان الانفراد . والثاني : ألّا يكون المقصود الحصر ، بل إنّ تقديم ذكر المحدّث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل له ؛ كقولهم : « هو يعطي الجزيل » ولا يريد الحصر ، بل أن يحقّق عند السّامع أنّ إعطاء الجزيل دأبه ؛ وذلك مثل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [ النحل : 20 ] ، وليس المراد تخصيص المخلوقيّة بهم ، وقوله تعالى : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ [ المائدة : 61 ] ؛ وقول الشّاعر : [ الطويل ] 1104 - هما يلبسان المجد أحسن لبسة * شجيعان ما اسطاعا عليه كلاهما « 1 » والسّبب في حصول هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ : أنّك إذا قلت : « عبد اللّه » فقد أشعرت بأنّك تريد الإخبار عنه ، فيحصل في النّفس شوق إلى معرفة ذلك ، فإذا

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 6 / 75 .